عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

تحية لمسارب العبور إلى قلب الوطن

د.جمعة عتيقة

 

استطيع الزعم بأننى قد عرفت مسارب الامين مازن قبل ان اتعرف على مساربه .. اما كيف كان ذلك .. الزمن بداية صائفه سنة 1965 ان لم تخى الذاكرة المثقوبة .. المكان فوق سطح احد عمارات شارع عمر المختار حيث مقر ناد كان يسمى ( نادى مصراته بطرابلس ) وكان المحاضر احد المنتمين الى تيار يقوم على عداء مطلق للحوار يعتمد خط نقى واقصاء الاخر وكان موضوع المحاضرة فيما اذكر يتناول كتاب " مستقبل الثقافة فى مصر "للاستاذ طه حسين ... لم يترك المحاضر يومئدحدا من اعلام الفكر والثقافة العربية الا وامطره بوابل من التهكمات والتجريح الذى وصل الى حد التهكم والسخرية فمن ساطع الحصرى الى طه حسين الى العقاد محمد مندور والى محمود أمين العالم.. الى سمير أمين... الخ وكان سخيا فى اطلاق النعوت والاوصاف تصريحا وتلميحا همزاً ولمزاً.
وما ان انتهي حفل الشتائم والقدح البعيد عن العلمية والموضوعية وفتحباب النقاش او ربما قبل ذلك بقليل!!حتى تفجر صوت في القاعة وانتصبت قامة تدافع عن هؤلاء الاعلام وتعلن في شجاعة وجراءة صارمة انحيازها الى حرية الكلمة وحق الاختلاف بل وتتصف من سفههم المحاضر ..يومها كنت يافعا اخطو خطواتي الاولى في محاولة لان افهم (روعة الحرف الذي يصنع للانسان سلما)وتاملت امين مازنوتحسست نبرته الصادقة في الدفاع عن قيم الخير والجمال والتقدم يومها عرفت مسارب الامين مازن ثم ازداد تعرفي عليه فيما بعد مشاركا وفعالا في الحياة الثقافية (نادي بالخير)_ جمعية الفكر الليبية التي تاسست سنة0 1959 نادي الاتحاد) واقتربت منه على المستوى الشخصي فازدادت معرفتي باشيخ كما يحلو لتلاميذته واصدقائه ان يسموه ثم انقطعت اوصال اللقاء والصلة الشخصية بسبب ظروف غيلبي المتكرر وحينما التقينا بعد انقطاع وجدته نفس المحارب الذي لايلين ونفس المافع الذي لايهدا عاركته الايام وعاركها وصقلته التجربه ومادية الافق الا ان الروح لازالت خفاقة ترفرف في عالم الكلمة وتبشر بالغد الحق واليوم نلتقي معه في مساريه التي سجل فيها شهادة ذاتية وموضوعية عن فترة من اغنى فترات تاريخنا الوطني.فدعوه الى قليل من الولوج والتجوال والتسكع في مسارب هذا الرجل حيت تصافحنا صورة افادة جميلة ونشم عطر الناس الارض ومعاناتهم وهم يعيشون العسف تحت وقع احذيه الفاشيست ومقاوتهم لها... الطرق الصوفيه.. صورة الوالد الذي يشهد له الجميع بحضور اجتماعي متميز وقدر غير محدود من الحكمه والرصانة.. قدوم الكاتب الى طرابلس ومحاولته خلق نوع من الحماية الذاتية وذلك بالاستعانة بمخزون من الحكايات عن المدينة واجوائها رسمها في مخيلته قبل دخول بوابة المدينة ربما لمواجهة ما يتعرض له كل من يفد الى المدينة من اغتراب وتوجس. بداياته على طريق الكلمة.. لجوء الى الحماية بعض اقارب في طرابلس البعد الجغرافي وعلاقته بالابداع ارهاصات تكوين المجتمع المدني.. كما نلتقي ونصافح بين دفتي المسار باسماء حفرت عمقا في الوجدان الثقافي .هناك على الرقيع وحميميه علاقته بالكاتب خليفة.. ودنف المسلاتي.. يوسف.. كامل.. بشير.. وغيرهم من الاسماء كذلك عوالمه الخفية التي يطرقها بحذر شديد مع جميلة غزالة ولعل ما تبقى هنا هو وقفة مع المسارب نحول ان نبدي فيها بعض الملاحظات العامة نلقيها كنتيجة لهذا العمل الجميل.. ان كتابة السيرة الذاتية هو من اشق صنوف الكتابة فهي بمتابة التقطير الائتلافي للذات تواجهه اشكاليات عدة. هناك توازع الذات وانانيتها وهناك المحرم التقليدي (وخاصة عندنا) وهناك حديث النفس والهوى.. ثم مشكلة الدقة والاحاطة.. فقليل من الكتاب تغلبوا على هذا الاشكاليات وكتبوا سيرتهم بتجرد واقتحامية وصدق كما فعل (جان جاك روسو) و(اسكار وايلد) .. ولعل من العرب لا نذكر سوى (لويس عوض) (اوراق العمر)سلامة موسى (تربية سلامة موسى) ومحمد شكري في(الخبر الحافي) وبقدراقل من محمد عابد(في حفريات في الذاكرة) اما غيرهم فقد كانوا محكومين بالعوامل التي ذكرناها وتدفعهم رغبة جامحة على تاكيد الذات المبجلة المحترمة التي تتزين لاعين النلس في ابهى صورة ممكنة ولم يخرج الامين مازن في مسارية عن هذا المسار فهو وان كان ركز جل همة على رصد مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في سرديته المشوقة ووصفه الدافئ لقريته والتي لشدة حبه لها قد وقف بها في التصوير على مشارف (المدينة الفاضلة) وربما كان ذلك حقا مشروعا للكاتب فهي قد حفرت في ذاكرته ووجدانه خطوطا مباشرة عميقة جعلته يعاني من (نوستالجيا) دائمة صاحبته حتى نهايات مسارية الا اننا نرى ان المسكوت عنه في تصوير ملامح الحياة العامة في قريته جعل من حقنا ان نساله اين هو قاع المدينة القرية وما يخزنه من حياة سرية وعوالم خفية لها مساحتها وفعلها في حياة الناس وتشكيل شخصياتهم حتى وان تظاهروا بازدرائهااين جلسات اللافي..(وصويحبات يوسف) اليس هناك الناس من لحم ودم ونزوات وامسيات الطرب والفن. ام ان الحرص على صورة الذات المهيبة المحترمة الوقورة قد اخذت بخناق الكاتب:
ثم ان هناك نوعا اخر من المسكوتات عنه ربما كان له دافع.. فتضلع الكاتب في فهم (فقه الواقع واجادته الدقيقة في ترتيب الامور دون المساس بالثوابت قد ذهبت به احيانا الى السكوت عما لايجب السكوت عنه فهو حينما تعرض مثلا للطرق الصوفية فهو ذكر بعضها وركز على الطريق العروسية وبين اثرها في الاهالي في حين اغفل وجود حركة اخرى كان لها ابلغ الاثر وهي الحركة السنوسية _وانا هنا اقصد الحركة الاصلاحية البعيدة عن ذلك العجوز الذي كان قابعا في قصر الزيتون تحمية مدرعات الانجليز.
هذا مثل عابر للكثير من المسكوتات عنه عند المين مازن وفي الجزء الثانى يصل بينا النصالسردى الى الحد الدى يدفعنا ان نقول فيه معا ( على حرب ) ( ان استراتيجية النص تقوم على جملة من الالاعيب والاجراءات يمارس الخطاب من خلالها بلباقة فى الحجم والاقصاء او فى التبديل والنسخ ) وربما دهبنا ايضا الى حد القول ان الكاتب ربما كان مقتنعا ( بان قوة كل نص هى فى حجبة ومخالفته لا فى افصاحه وبيانه فى أشتباهه والتباسه لا فى احكامه واحكامه) ففى الجزء التانى واجهنا الكاتب بصدمة أكبر بمسأله الحجب والاقصاء والمسكوت ابتداء من الاسماء التى جاءت بلاكنية اوقعتنا فى لبس وأشكالية التخمين والترجيح.
قد نرجح أن تكتيك لامين مازن وتعامله مع حقيقة النص هى التى دفعته الى ذلك والا فما الذى يمنع الكاتب مع ذكر الاسماء.
عبد الله قويري ، كامل عراب ، مصطفى الامير ، فرج فليفل ، المهدى السوكنى ، بشير كاجيجى ، عبد اللطيف الشويرف ، خليفة التليسى ، وحتى رجب الاحول ، رغم اننا نجد اسماء كاملة فى بعض المواقع الاخرى .
هناك احدات اخرى كانت بارزة مدوية فى الحياة السياسية انداك لانكاد نجد لها دكرا فى المسارب يحضرنى منها الان دلك اللقاء التاريخى الذى تم عقب عدوان 67 فى مبنى بلدية طرابلس والذى نسأل الله ونناشد القائد أن يجميه مما يدور حوله من شائعات هذه الايام
ذلك الاجتماع الذى ضم وجوها وطنية عبرت عن موقف الشارع الليبي ونبضه القومى ، واذكر ان مبنى البلدية كان محروساً يومئد بقوات الامن  التى منعت الجميع من الدخول الى قاعة البلدية الى أن جاء المرحوم محمود الخوجة وكان انذاك عميداً للبلدية واقتحم قوات الامن وفتح القاعة لاولئك الذين اجتمعوا منددين بالعدوان معلنين النصرة لاشقائهم داعين الى الاضراب العام ومنع تصدير النفط ولااعتقد ان كاتب المسارب كان غائبا فى ذلك اليوم .
هناك بعض المحاكمات السياسية الشهيرة لم تأخد حقها من الكاتب رغم معاصرته بها هناك كشاط جمعية الفكر . الذى كان يملأ الدنيا ويشغل الناس.
ان ماسكت عنه الامين مازن كثير وربما كان مرد ذلك الى جانب حسابات الواقع أنه جعل ذاته وما يدور حولها هى التى تحدد مسار المسلرب وخطوطها.
أيها الاعزاء.
انا هنا لست ناقداً لهذا العمل الرائع وما ذكرته ليس سوى دعوة لقرلءة باطنية تبحر فى النص كاشفة متفحصة " الاوراق المستورة " كما يقول حامد نصر ابو زيد.
بقيت تحية حب صادقة لهذا الرجل الذى سجل بأسلوب شفاف سفراً رائعا من اسفار تاريخنا السياسى والاجتماعى وتحية تقدير لجهده وثابرته واسهاماتها التى تعلن دائما انحيازه الى المستقبل والتقدم.
تحية مودة لهذه الدفقات من الشوق العارم التى فاضت بها مساربه

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية