عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

بين سؤالين التبرير و التشفير
لماذا يخاتل أمين مازن قراءه ؟
وكيف يصوغ رسالته النقدية لإبراهيم الكوني

 

حسن الفيتوري

 

كان يمكن لهذه " القراءة المبتسرة " حول " التجربة الإبداعية لأمين مازن " أن تندفع مباشرة نحو مساءلة مشروع السيرة في ثلاثية مسارب أو البنية السردية والإيحائية لرواية " المولد " فتتوقف .مثلاً. عند حركات الأنا وتفاعلاتها كوجود مزود بمعان في سيرة مسارب أو تتعاطى مع نص "المولد" " ككون روائي " واقعي " ينوس بالرسائل المشفرة رغم أدائه اللغوي التقريري .
إنها قراءة لا تدعي إحتيازها على نهج نقدي قادر على مقاربة تجربة أمين مازن التي وصفها عمر حمودة بالتجربة الصامدة في قراءته المتثاقلة عن رواية " المولد " بقدر ما تدعو جاهدة في إستهلالها إلى تبني تحالف أو إئتلاف منهجي يسعى إلى الإحتفاء بالنص أكثر من إحتفائه بمراجعه بعد أن توغلت المناهج التاريخية والإجتماعية والنفسية في إستضاءة المراجع على حساب النصوص والتعامل مع الأجناس الأدبية الإبداعية كوثائق تاريخية أو ظواهر إجتماعية أو عينات سيكولوجية وإهمال عمليات استنطاقها وتأويلها .
هذا التكتل المنهجي الذي يأخد بالنتائج النقدية التي تحققها المناهج الأسلوبية والسيميائية الحديثة في الحقول الرمزية الثقافية لن يستبعد المناهج الكلاسيكية السابقة عن تداولاته التقدية وإنما سيعمل على تحرير " وتثوير " أدواتها بما يحقق لها فرص الدخول إلى فضاءات الرؤية النقدية الجديدة وهذا المنهج التكافلي الذي نادى به نقاد ومشتغلون بالفكر والفلسفة واللسانيات الجديدة لن يدعى القبض على حقيقة النص . حسب إعتقادي . فالحقيقة كما يراها بورديو . ستظل محل نضالات والنص دنيامية متواصلة لا تكتفي بتعديات المعنى حتى وإن جاء التأويل أحياناً متحاملاً ومتعسفاً !! .
في مشروع القراءة لن ندعي إمتلاكنا هذا المنهج " الديمقراطي " في محاورة النص ومقارنته لكن حسبنا من المحاولة هو الإقتراب حثيثاً من المقالة الصحفية التي يحاول البعض إستبعادها من ترشيحات الأعمال الإبداعية مثلما يفعل التشكيليون تجاه الرسم الساخر عندما ينفون عنه القيمة الفنية بحجة ولادته الصحفية المبكرة رغم حمولاته الرمزية والتعبيرية التي تتجاوز أحياناً أعمالاً تشكيلية كبرى وهذا الإستنتاج سينطبق أيضاً على مقالات صحفية أحتازت على بنى لغويـة وإستعارية ومعالجات فنية وموضوعاتية تفتقدها مدونات سردية كبرى .
إن مقالة أمين مازن الصحفية سؤال قلق ، تاريخ صريح ، وتدفق آسر سيغتاظ منه أولئك الصحفيون الذين يتضورون تعباً وإجهاداً بعد كتابة كل عمود صحفي أسبوعي لا يتعدى الصفحتين مقاس A4 في حين يواصل أمين مازن الكتابة بشكل أسبوعي منتظم عبر صحيفة الجماهيرية ويتفرغ إلى مدونته السردية فيعمل على إستزادتها وإثرائها في حركة دؤوبة ديدنها النشاط والحماس .
ومع صبيحة كل ثلاثاء سيتوقف قراء كثر أمام مقالته المنشورة في الصفحة الأخيرة من جريدة الجماهيرية وفقاً لنتائج إستطلاع مع قراء محترفين رأوا في مقالة الشيخ أمين ذلك السبك اللغوي المتين الذي تفتقده جل الكتابات الصحفية الشابة وأكبروا فيه تلك الجرأة والمعالجة الحكيمة لكثير من القضايا الأدبية والإجتماعية والسياسية كما أثنوا على طريقته في إستغواء المتلقي وجلبه إلى طوره عبر التقانات الفنية " البسيطة والمركبة " التي يستخدمها في إستنفار إمكانـات الحكايـة لصالح دخول واثق إلى متن المقال ولعل الرجل الذي يتمتع بالملكة الشفاهية والقدرة على إستثمار مداخيله المعرفية في تعقيباته وحواراته المتتابعة في المشهد الثقافي الليبي سيجعلنا في الممارسة النقدية تجاه نصه الخطي مبالين بخطابه المنطوق خصوصاً في إقترابنا " الحذر " من مقالته الصحفية فأحياناً تأتى مقالته كتتمة لتعقيب على محاضرة أو ندوة لم يستطع توضيحه أو إضاءته بالصورة التي تتسق مع ما يود قوله أو كتابته وأحياناً أخرى تأتي المقالة كإجراء إستباقي لما يمكن أن تثيره أو يطرحه من أفكار ورؤى في أحد ملتقياتنا الثقافية والفكرية .
من هنا ستغدوا المقارنة بين مقالته المنطوقة ومقالته المكتوبة عملية نقدية مفتوحة قد تحقق نتائج مطمئنة في فهم مناهج الشيخ أمين في الكتابة والتفكير لكنني في هذه العجلة غير العجالة قادر على سبر تضاعيف هذا التداول النقدي لذا سأكتفي ببعض شواهد زاوية كل أسبوع كمديات لهذه القراءة ورغم تحفظي الشديد على مصطلح الإنتقائية في إشتغالات المقاربة إلا أنني أجدني مضطراً إلى تسويقه ومهادنته وربما حتى تسويغه لأجل إدراك معنى غائي وهو معرفة الإستراتيجيات التي يستتبعها أمين مازن في تحرير مقالته الصحفية والآليات التي يشتغل بها لتمرير رسائله الأدبية أو الإجتماعية أو السياسية .
قد تبدو " المقارنة " بين مقالاته ومقالات مجايليه كيوسف الشريف أو يوسف القويري أو كامل عراب أو حتى أولئك الذين يجاورهم في الصحف المحلية كمحمود البوسيفي وعبدالرزاق الداهش وشقيفه الطاهر وغيرهم في رتبة المفتاح الذي قد يضئ نص أمين الصحفي ويقودنا إلى فهم منهجه ومعرفة مصادره رغم الإختلافات البائنة بين ما يكتبه ، وما يكتبه الآخرون على مستوى الأسلوب والتفكير ورغم ما يعتور هذه المقارنة من ملاحظات تصل إلى موقف الرفض أحياناً إلا أنها ستبدو عملية منتجة حتى لو نظرنا . إجتهادياً " إليها من باب تفعيل مصطلح " الإختلاف " ومع ذلك لا أخالني أيضاً مستعداً لإنجاز هذه المهمة التي تتطلب جهداً ووقتاً كبيرين ومعرفة دقيقة بالمناهج النقدية الحديثة وفي الوقت ذاته لن يكون في " مقدوري " بعد هذا الإستطراد الطويل في الإستهلال والإستغواء النظري إلا الإقتراب جدياً من لغة التطبيق والتفسير . وربما . التأويل في قراءة بعض مقالات زاوية كل أسبوع .
ففي مقالته التي يحملها العدد رقم 5275 من صحيفة الجماهيرية ويرقنها الشيخ أمين بعنوان الرواية الجديدة لإبراهيم الكوني " نداء ما كان بعيداً " الصادرة مؤخراً ضمن منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والأعلام سيوهم الكاتب متلقيه في مفتتح مقالته أنه ماض نحو قراءة إنطباعية أو تأثيرية عابرة أو إضاءة لأهم مفاصل العمل عندما يبدأ المقالة " هذا عنوان العمل الروائي الفخم الذي أنجزه إبراهيم الكوني " إلى أن يدون الفقرة التالية : " جاء هذا العمل المتميز وبالأحرى الجزء الأول منه في أربعمائة وسبعين صفحة " ثم يشير إلى مسألة تقسيم الرواية إلي فصول طبقاً لإشتراطات السرد مبيناً شيوع هذا الأسلوب عند كتاب السرد حيث يمثل المؤلف القوة المسيرة لكل مكونات النص حسب تعبير مازن عدا هذا الإشارات سيتجاوز مازن الحديث عن الرواية ويركز إشاراته على إنجازات الكوني وجوائزه وتفرغه في الملاك الدبلوماسي دون أن يغفل قضية عدم مصادرة حق المتلقي في إخضاع المدونة الكونية للتقييم النقدي الصارم ومساءلة خطابها الثقافي ومعمارها الفني ومردودها الدلالي وفي أي إتجاه تصب وأي طرف من أطراف مجتمعنا تناصر وأي مشروع تتبنى إلى أن يقول : فلا شئ أضر بالنص الأدبي مثل الخروج من دائرة المساءلة البناءة ووضعه في خانة المسلمات .
هذا التلخيص الإضطراري لهذه المقالة سيقودنا إلى تصدير النتائج التالية :
1- إن العنوان عند أمين لا يمثل حالة إخبار أولى واثقة عن النص كما تذهب جل العناوين الكلاسيكية للمقالات الصحفية .
2- إن العناصر الرئيسية للمقالة يمكن إعتبارها مشاريع مقالات داخل المقالة الأم وأن الشيخ أمين بقدراته الأسلوبية والربطية قادر على تذويب ذلك التداخل أو التقافز دون الحاجة إلى التفقير أو الترقيم .
3- رغم إعتماد المقالة على اللغة الصحفية إلا أنها تحمل بعض الرسائل المشفرة أو الخاصة وهذه خاصية تعلقت كثيراً باللغة الأدبية المجازية التي لا تعول على المعنى الظاهر بقدر ما تسعى إلى التأويل وعند أمين نتحسس الحيرة في السؤال : من يقصد ؟ يقول في إحدى الجزئيات .. " ولا مبرر إطلاقاً أن يطاله ما يمكن أن يدخل في إطار الغيرة أو ردود الأفعال أو كل ما يدخل في دائرة المتابعة الشخصية تحت أي مبرر من المبررات
لكن أمين مازن سيغدو مختلفاً في الإستراتيجية التي يتبعها في مقالة عن مدونة المجراب إذ سيفضي من البداية العنوان عن متن المقالة ولعل الهاجس التاريخي الذي يستنفزه إلى طرق مراتب السرد والسير غالباً والعامل النوستالجي الذي يدفعه إلى إستحضار الشخصيات التي أحبها سيمثلان بالنسبة له جواز المرور الدائم إلى الكتابة الإسترجاعية التي لا نغفل عنها نفس الحاضر لغة وتفكيراً ومواقف ففي مقال " مدونة المجراب " ثمة إحتفاء جاد بصديقه المجراب الذي كانت له صولة وجولة في مواجهة مسرح التنفيس عبر إدارته لفرقة " الأمل " التي كان الهدف من تأسيسها أنذاك العودة بالمسرح إلى رسالته الحقيقية كأداة تنوير وتثقيف ومعرفة ولعل إنهمام أمين بتعداد ورصد مواهب ونشاطات صديقه في كتابة المسرحيات والقصص القصيرة وتفرغه لمشاريع الأشرطة غير العادية حسب تعبيره لم يثنه عن الإشادة بتدوين صديقه لمسرحياته ودراساته المتصلة لهذا الفن وهذه الإشارة التي أقرنها أمين بأهمية التدوين بإعتباره " البقاء الأهم " للمثقف ستحيلنا إلى فهم مسالة إصرار الشيخ أمين على طباعة كتبه حتى وإن خانها الإخراج الفني كما حدث مع " أجزاء مسارب " أو ستحيلنا إلى إستحضار كامل له علاقة بقضايا الذاكرة الثقافية أو السياسية بالنسبة له لذا نراه ما ينفك يوشي مقالاته الصحفية بتلك المواقف أو الحوادث التي تكتنفها العبر والخبر والمعرفة ولا نخاله بمنأى عن ملازمة القضايا المحلية الآنية والدفاع بأستماتة عن عدالتها فنراه شجاعاً صريحاً وحكيماً في مساءلته النقدية لقرار الإعفاء المريب الذي أصدره الرئيس البلغاري في حق الممرضات البلغاريات المدانات في جريمة حقن الأطفال الليبيين بالإيدز وبالرجوع إلى وقائغ المقال المنشور بتاريخ 31 من شهر ناصر يوليو الماضي سنتحقق من تداولات هذا التالوث القيمي في ثنايا المقال السياسي عنده دون إعمال أي تحريك نقدي وظيفي ذلك أن أمين مازن الذي يحتاز على خبرة طويلة في الكتابة السياسية نجده يطوع اللغة في صياغات مباشرة ومنظمة تذهب إلى المعاني الظاهرة التي يسعى إليها دون الحاجة إلى لغة المجاز أو التورية فالكاتب يقرأ بوعي فن الممكن ويدرك حدود المصلحة الوطنية العليا لكنه في المقالة الفكرية التي تتطلب الحيادية سامية . بتعبير فهمي . وتحتاج إلى توظيف معرفي فاعل أثناء مناقشتها أو محاورتها لبعض القضايا الإنسانية التي تحاصرها الأيدلوجيات المنغلقة أو القراءات المتطرفة سوف نراه متحمساً إلى خلخلة المفاهيم المغلوطة عن قضية الهوية عبر مقالة مطولة حملت عنوان " الهوية والخصوصيات الوطنية " في العدد رقم 5281 ونلاحط هنا أن آليات إشتغال المقالة تقترب حثيثاً من آليات المبحث المكثف فالكاتب سيبدأ في مناقشة قضية الخصوصية من سؤالها في التاريخ إلى قصتها في إختلاف البصمة وتحت وقع الهاجس الصخفي سيهبط إلى التمثيل والتدليل عندما يستدعى النموذج الإيطالي في التمسك بالبيتسا على حساب الهامبرغر كتعبير مادي جلي على التمسك بالخصوصية أو يعيد شحن تلك التعابير المتداولة بما يخدم الإجراءات اللغوية التي يستتبعها في توكيد معنى الخصوصية فيكتب مثلاً .. إن الذين وجدوا البيت الحرام على مرمى البصر لن ينظروا إليه بذات الرهبة التي ينظر بها الآخرون كما أن المتجانسين على الإيقاع الأفريقي يقلون تفاعلاً مع الموروث الفينيقي والمأثور الأشوري والبابلي .
أخيراً .. سيحسب لأمين مازن هذه اللغة الكلاسيكية الواثقة التي تتأسلب متفردة دون أن تقع في فخ تقليد الأسلوب النزاري أو الأسلوب النبهومي ورغم أن البعض يتهمها بالصرامة والجفاف وعدم إنهمامها بالصياغات الإستعارية والمجازية والعبارات الرشيقة والإشتقاقات والتزيينات اللفظية الجدية إلا أن ذلك لن يؤثر " نقدياً " على أداءاتها الفاعلية في توصيل الأفكار والرؤى ونشاطها الحيوي والأصيل في إنتاج المعنى الظاهر والمعنى الباطن .
ولعل من مقتضيات العمل الصحفي الناجح هو إمتلاكه على أداة توصيل لغوية مباشرة ومتينة وأصيلة فإستعارة أساليب وصياغات وآليات إشتغال الآخرين قد تربك المتلقي المحترف الذي يبحث عنه أمين مازن دائماً .
ولعل أيضاً من ضرورات المقال الصحفي هو إستجابته الدائمة لمصطلح المهنة والرؤية المستبصرة لأبعاد القضايا والأحداث والتفاعلات الإجتماعية والسياسية .
وهذا المقال المنشود سيتمثل في أمين مازن الذي يحتاج نتاجه الصحفي إلى دراسة نقدية متأنية تحاول إستنطاق خطابه وتأويله فاللغة إن جاءت في معظمها مباشرة إلا أنها في الغالب تطرب للتأويل فالرجل حمال للرسائل المشفرة وواقع أحياناً تحت شهوة التبرير الذي لا يذهب عنده إلى تمرير الأحكام المطلقة أو ممارسة الإنتقائية أو ممالحة الغائية وإنما يقع كآلية إشتغال يستفاد منها في تطويع المنهج إلى نتائج واجبات .
هامش : ألقيت هذه الورقة ضمن أوراق أخرى في الندوة التي نظمتها أكاديمية الفكر الجماهير
 حول التجربة الإبداعية لأمين مازن بتاريخ 8 . 2007
.

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية