|
سؤال الإبداع .. سؤال
المعنى
د. محمد القاضــي
كلية الآداب \ جامعة
منوب \ تونس
كان يمكن لهذه " القراءة
المبتسرة " حول " التجربة
الإبداعية لأمين مازن "
أن تندفع مباشرة نحو
مساءلة مشروع السيرة في
ثلاثية مسارب أو البنية
السردية والإيحائية
لرواية " المولد " فتتوقف
.مثلاً. عند حركات الأنا
وتفاعلاتها كوجود مزود
بمعان في سيرة مسارب أو
تتعاطى مع نص "المولد" "
ككون روائي " واقعي "
ينوس بالرسائل المشفرة
رغم أدائه اللغوي
التقريري .
إنها قراءة لا تدعي
إحتيازها على نهج نقدي
قادر على مقاربة تجربة
أمين مازن التي وصفها عمر
حمودة بالتجربة الصامدة
في قراءته المتثاقلة عن
رواية " المولد " بقدر ما
تدعو جاهدة في إستهلالها
إلى تبني تحالف أو إئتلاف
منهجي يسعى إلى الإحتفاء
بالنص أكثر من إحتفائه
بمراجعه بعد أن توغلت
المناهج التاريخية
والإجتماعية والنفسية في
إستضاءة المراجع على حساب
النصوص والتعامل مع
الأجناس الأدبية
الإبداعية كوثائق تاريخية
أو ظواهر إجتماعية أو
عينات سيكولوجية وإهمال
عمليات استنطاقها
وتأويلها .
هذا التكتل المنهجي الذي
يأخد بالنتائج النقدية
التي تحققها المناهج
الأسلوبية والسيميائية
الحديثة في الحقول
الرمزية الثقافية لن
يستبعد المناهج
الكلاسيكية السابقة عن
تداولاته التقدية وإنما
سيعمل على تحرير " وتثوير
" أدواتها بما يحقق لها
فرص الدخول إلى فضاءات
الرؤية النقدية الجديدة
وهذا المنهج التكافلي
الذي نادى به نقاد
ومشتغلون بالفكر والفلسفة
واللسانيات الجديدة لن
يدعى القبض على حقيقة
النص . حسب إعتقادي .
فالحقيقة كما يراها
بورديو . ستظل محل نضالات
والنص دنيامية متواصلة لا
تكتفي بتعديات المعنى حتى
وإن جاء التأويل أحياناً
متحاملاً ومتعسفاً !! .
هل هي الصدفة التي ساقت
أمين مازن إلى أن يختار "
مسارب " بصيغة الجمع
عنوانا لكتابه ؟ وما هي
هوية هذه المسارب ؟ ما
منطلقاتها ؟ وما ملامحها
وإلى م تقود ؟
من المفارقة أن يطرح
المرء على نفسه هذه
الأسئلة وهو يقلب هذا
المؤلّف في أجزائه
الثلاثة قبل أن ينفذ إلى
أغواره ، وأن تبقى
الأجوبة معلقة لاتزيد
القراءة سعيرها إلا أوارا
، فتتفاعل أثناءها وتظل
قائمة ممضة بعد الفراغ من
الرحلة في طوايا هذه
الأسفار .
الظاهر أن أمين مازن قد
قصد إلى الخروج عن
المسالك الممهدة والطرقات
المألوفة فأخذنا عبر
مسارب لا يعرفها إلا
الخبير بها ، هي مسارب
متداخلة متشابكة ، لانعرف
لها موضعا في خرائط
الإبداع ولانملك أن نثبت
لها موقعاً في خرائط
المعنى ولما كانت القراءة
مسيجة أبدا بسياج الجنس
الأدبي ، تماماً كالكتابة
التي يقعدها المؤلف . وفق
صيغ مخصوصة لا تتحقق من
خلالها المقروئية إلا إذا
توافقت مع أفق الانتظار
السائد ، فإننا رأينا أن
ننفذ إلى العقد القرائي
الذي أعلنه أمين مازن من
خلال عتبات النص ، وأول
ما يلفت انتباهنا أن
الكتاب بأجزائه الثلاثة
لم يثبت في غلافه الأول
ولا في صفحته الثالثة إلا
اسم صاحبه "أمين مازن"
وعنوان النص "مسارب" وفي
هذا ما قد يدل على رغبة
المبدع في أن يتحرر من
أمسار المنظومة الأجناسية
السائدة وطلب من القارئ
أن يتخلص من موروثه
المستقر في ذهنه حتى يدخل
هذا النص البكر – أو الذي
يعلق البكارة محرما
متطهرا من رجس المألوف .
فإذا انتقلنا إلى العتبة
الثانية وهي الإهداء ،
وجدنا أمين مازن يكتفي في
الجزأين الأولين بوسم
كتابه بالتركيز على جانبه
المادي دون مضمونه أو
مواصفاته الأجناسية ،
فيهدي الجزء الأول إلى من
شكلت حياته وأحاديثه
النواة الأولى لهذا السفر
( I ، 5 ) ويهدي الجزء
الثاني إلى من بالصبر
والزهد والآباء كانت خير
عون لما يحمل هذا السفر
من حضور الفعل والقول (
II ، 5 ) في حين يكتفي في
مستهل الجزء الثالث
بالإشارة إلى الإهداء (
لهم ولشهداء الوطن عموما
أمضى هذا الإهداء ( III ،
3 ) ومعلوم أن كلمة السفر
لا تنطوي على أي محدد
أجناسي داخل المنظومة
الأدبية ، لابل أنها لا
تعني أصلاً أن الكتاب
ينتمي إلى الأدب . ولعل
ما يلفت النظر في هذه
الاهداءات إلحاح أمين
مازن في أثنين منها إلى
وعورة المسلك الذي توخاه
، فهو في إهداء الجزء
الأول يقطع على نفسه
عهداً بالتزام هذا الطريق
الصعب " وفي إهداء الجزء
الثاني يصف نصه بأنه
((تجربة قلم وملحمة جيل
ووثيقة عرفان))
ويستوقفناها هنا الحاج
المؤلف على صعوبة الطريق
وبين الطريق والمسرب
وشيجة ، فهل هذه الوعورة
مكانية من مجال خاص متصل
بالكتابة ، أم أنها
مكانية من مجال عام متصل
بالحياة إجمالاً ؟ كأننا
بأمين مازن يسعى إلى
إيضاح الأمر في إهداء
الجزء الثاني حين يجمع
فاصلا أو يفصل جامعا بين
" تجربة قلم " وهي موصولة
بالبعد الإبداعي الجمالي
و "ملحمة جيل" وهي موصولة
بالبعد التاريخي الفكري .
أما العتبة الثالثة
فيجسمها ذلك الشاهد
الشعري الذي يستدعيه
المؤلف في مطلع كل جزء ،
فيورد في أول الأجزاء
أبياتا للقاضي الجرجاني ،
وفي ثانيها أبياتا للمقنع
الكندي وفي ثالثها أبياتا
للمتنبي ، ولا يثبت أسم
صاحبها .
الطريف أن عدد أبيات
الشعر واحد في كل جزء إذ
هي عشرة لاتزيد ولاتنقص .
وفي هذه الأبيات جميعاً
صوت متكلم يعلن جهار أمنا
واته للسائد وشقه عصا
الطاعة على المجموعة أن
فارقت ما يؤمن به ، وبهذا
نفهم استحضار أمين مازن
قول القاضي الجرجاني :
أرى الناس من دانهم هان
عندهم :. ومن أكرمته عزة
النفس أكربا .
وما زلت منحازا بعرض
جانباً :. من الذم أعتد
السلامة مغنما .
واستحضاره قول الكندي :
وأن الذي بيني وبين بني
أبي :. وبين عمي لمختلف
جداً .
فإن أكلوا لحمي وفرت
لحومهم :. وأن هدموا مجدي
بنيت لهم مجداً .
واستحضاره قول المتنبي :
وأني لنجم تهدي صحبتي به
:. إذا حال من بين
النجوم سحاب
غني عن الأوطان لا
يستفزني :. إلى بلد هاجرت
منه إياب
ولا شك أننا من هذه
الشواهد إزاء علامات تشي
بوجود وحدة عضوية بين
أجزاء هذه المسارب . وهي
وحدة تتألف أطرافها من
إعلان المؤلف رفضه لقيم
المجموعة وارتفاعه عن
ممارستها واعتداده بنفسه
وفذاذته في مواجهة
نكرانها بالإحسان وكفرها
بالإيمان .
ومن كل هذا تتصدر المشهد
في عتبات أجزاء " المسارب
" الثلاثة صورة الطائر
المحلق خارج السرب ،
المدرب لخصوصيته ،
المنحاز عن غيره ،
المتمسك باختلافه الفني
بما عنده ، ولعلنا بهذه
المساءلة نفتح المجال
لمساءلة هذا الكتاب من
جهتين : أولاهما خصائص
الإبداع فيه ، وثانيهما
مميزات المعنى الثاوي في
أعطافه .
سؤال الإبداع في مسارب :
يحتار قارئ مسارب وهو
يطوي صفحات هذا الكتاب في
إنمائه إلى نمط مخصوص ،
وكأننا بعبد الله إبراهيم
الذي قدم الجزء الأول قد
أدرك ذلك فاكتفى بوسم
"مسارب" بكونه نصا وأضاف
أنه نص سردي ، وعلى مثل
ذلك جرى محمد الفقيه صالح
في تقديم الجزء الثاني ،
ولكن تحديد نمط النص لم
يحل دون التردد في تنزيله
منزلة مضبوطة من منظومة
الأجناس . فبعد الله
إبراهيم يعتبر أن النص
يتركب من مكونين أساسيين
جرى التهجين بينهما بكثير
من الحذق والدراية وهما:
السيرة والتاريخ (1-11)
ويذهب إلى أنه نص منفتح
على أجناس بعضها سردى
وبعضها غير سردى فيقول "
يزخر مسارب بكثير من
الإشارات والاقتباسات
الثمينة التي تجعل منه
ذخيرة حية للمأثورات
الشعبية من أمثال وأشعار
وحكم وحكايات ( I ، 15 )
.
وإذا نحن غضضنا النظر عن
افتقار المصطلح إلى الدقة
في جعل الكتاب سيرة تارة
وسيرة ذاتية تارة أخرى
فإننا لا نملك إلا أن
نتوقف أمام عبارات ترد في
أكثر من موضع توحي بأن "
مسارب " رصد للتجربة
التاريخية كما أنه
بتشعباته ينطوي على
تحليلات لكثير من الأحداث
التاريخية والظواهر
الثقافية والاجتماعية،
فهو يشتبك معها وصفا
وتقويما "عبد الله
إبراهيم" حتى أن محمد
الفقيه صالح يرى أن أهمية
"الجزء الثاني" من مسارب
لاتكمن فقط في رصده تجربة
وخبرة أحد أبرز مثقفي جيل
ما بعد الحرب من كتابنا
وأدبائنا المعاصرين ، ولا
في محاولته رسم ملامح بعض
الرموز الوطنية والثقافية
لذلك الجيل وجيل الستينات
الذي تلاه بل وبالأساس
فيما ينطوي عليه من إبراز
لمعالم مجتمع مدني ليبي
بدأ منذ أواخر الخمسينات
في النشر وتنافس خلال
عشرية الستينات (14-15) .
إن آراء من هذا القبيل
تهدد الهوية الإبداعية
لهذا الكتاب لأنها تجعله
غير بعيد عن التاريخ
والنقد والرصد ورسم
الملامح والتقويم ، لذلك
حرص عبد الله إبراهيم على
القول أن هذا الكتاب
خلاصة تهجين بين السيرة
والتاريخ اللذين ظلا
متلازمين في حوار شفاف ،
بحيث تحكي في مسار النص
إلى نهايته (11) .
وأكد محمد الفقيه صالح
لأمين مازن صفتي الأديب
الناقد ورأى أن الجزء
الثاني من مسارب " يتداخل
فيه ويتزامن تكوين كاتبنا
الثقافي كمثقف فرد ، مع
تشكل الثقافة الوطنية
الحديثة في بلادنا منذ
أواسط الخمسينات ، أي
بتداخل الخاص بالعام (12)
ولعل هذا ما حدا بأمين
مازن إلى القول في تقديم
الجزء الثالث " الكتاب
ليس تاريخاً ليبحث فيه عن
الإحاطة ، وليس معجما
ليطلب إليه إحصاء كل
الأسماء ، ولكنه نص يتخذ
من بعض الأحداث مرجعية .
نحن إذا إزاء معضلة يعسر
حلها ، إذ الكتاب أشبه ما
يكون باللغز أو الخطاب
المعمى الذي لايتيسر فك
شفرته ، فنحن منه أمام
أحداث ذاتية وأخرى
موضوعية ، تشده تارة إلى
مجال الكتابة الإبداعية
وتشده تارة أخرى إلى مجال
الكتابة التاريخية
الفكرية ، وكأننا بعبد
الله إبراهيم قد وجد الحل
حين جعل "مسارب" نصا
يتجاوب مع تقاليد من
السيرة الذاتية العربية ،
ذلك الفن العريق الموروث
الذي اهتم به المفكرون
والأدباء والفقهاء ،
وأرسوا فيه تقاليد صارمة
وقد استكان محمد الفقيه
صالح إلى هذا الرأي فقال
" لا يزال كاتبنا في هذا
الجزء أيضاً أمينا
لتقاليد السيرة الذاتية
في الأدب العربي من حيث
التخارج عن الذات
والانصراف إلى اليأس
والثقافي العام ( II 14 )
إن هذا الحل لغريب من
وجوه : أهمها الإقرار
بوجود تقليد سير ذاتي في
الأدب العربي ن والحال أن
السيرة الذاتية لم
تستوفنا قائماً بذاته إلا
بعد أن نشرت اعترافات
"روسو" بعد موته في نهاية
القرن 18 . ومن وجوه
غرابته أيضاً القول أن
الكتابة السير ذاتية
العربية التقليدية تتجافى
عن الذات وتنزع إلى
المواضيع العامة ، فأين
هي السيرة الذاتية إذن
وما مسوغ الحديث عنها في
هذا السياق ؟
ولقد أصاب أمين مازن عين
الحقيقة حيث أنبرى في
مقدمة الجزء الثالث يفند
هذا الرأي معتمدا ما
ينطوي عليه من تجربة
ذاتية ما يذخر به من بعد
إبداعي فقال " ما من عمل
كتب له الخلود في دنيا
الإبداع إلا وكانت
التجربة الحياتية من أهم
منطلقاته ، وما من سبيل
لسمو النص الأدبي إلا بما
يتوفر له من التمرد على
الأشكال السائدة والنزوع
القوى نحو الجديد ( III
12 ) والظاهر هنا أن أمين
مازن قد قصد إلى أن يصيب
بهذا القول عصفورين بحجر
واحد العصفور الأول تأكيد
مبدأ الإبداع الأدبي لهذا
الكتاب الذي لا يمكن أن
يعد وثيقة تاريخية أو
شهادة موضوعية ، والعصفور
الثاني رفض تنزيل الكتاب
من تقليد الكتاب السير
الذاتية واعتباره ضرباً
من خرق المؤسس وارتياد
الأفاق الجديدة.
والرأي عندنا أن الكتاب
يندرج في صميم الإبداع
الأدبي ، وإذا ما وجدنا
تنازعاً فيه فإنه لا يقوم
بين الخطاب الفني الجماعي
والخطاب التاريخي النفعي
، وإنما يقوم بين خطابين
جماليين هما خطاب السيرة
الذاتية وخطاب المذكرات ،
وكلاهما وجه مما يسمى
بالأدب الذاتي ، والفرق
بينهما أن السيرة الذاتية
تهتم أساساً بالذات
وتكونها في مسيرتها
المعيشة في حسن أن
المذكرات تولى عنايتها
الذات وهي تفعيل فيما
يحيط بها وتؤثر في الشأن
العام .
وإذا كان فيليب لوجون لا
يرى مناصا من الميثاق
السير ذاتي وهو ميثاق
ائتماني يعلن فيه المؤلف
أنه مقدم على رواية قصة
حياته من منظور استعاري ،
فإن أمين مازن قد تعهد
التعبير بالمعنى البرشتي
فاختار الحديث عنه نفسه
بضمير الغائب وأخر ما
يمكن أن نعتبره ميثاقا
إلى مقدمة الجزء الثالث ،
وسلك في حديثه عن نفسه
مسلكاً غريباً قوامه
الطمس ولذا فهو لا يذكر
اسم مدينته هون إلا بعد
مائتي صفحة (I 188) وما
عدا ذلك فهي بلدة أو
مدينة صغيرة ، كما أنه
لايصرح باسمه إلا بعد
مائة صفحة حين يذكر كلمات
أمه الأخيرة (لأمين
يامختار) (I 97).
إن إبداع هذا الكتاب
يتمثل في رأينا من جانبين
: أولهما قدرة أمين مازن
على توظيف مختلف الأجناس
وصهرها في مشروعه
السيرذاتي الذي ظل يظهر
تارة ويختفي أخرى وخاصة
عند إفساحه المجال للسيرة
التي قدم لها نماذج منها
على غاية من الطرافة ،
والنادرة التي ترد من حين
إلى آخر فتحمل المؤلف على
سوق كلمان الشخصية في
لهجتها العامية نثرا كانت
أم شعراً ، والخاطرة التي
تنفذ بنا إلى أعماق ذات
المؤلف . وأما الجانب
الثاني فهو الكتابة
السيرذاتية المستحدثة
التي عمد فيها أمين مازن
إلى التعبير من خلال
استخدام ضمير الغائب ،
ولكنه مع ذلك جعلنا ندرك
عن طريق التبئير أن هذا
النص قصة نفس أساسا ،
وأنه مكتوب بالذاكرة ،
بهذا نحس بوهج النص حين
تغدو الذاكرة سيدة الموقف
.
فالمؤلف إذ يستعيد صورة
الفتاة الإيطالية يقول "
اللحظة تخلق العمر والعمر
لايخلق اللحظة . والذاكرة
سيدة هذه الأشياء ،
وعذابها الذي لا يتغير
على مر الزمن والأيام ( I
، 200 ) فأنظر كيف تغدوا
اللحظة بؤرة يشيع نورها
على العمر كله وتصبح لحظة
البداية تلون الذات
والأشياء وتلوم الكتابة .
وقد زاد المؤلف موقفه هذا
بيانا في الجزء الثالث
إذا قال " ذلك الزمان
الذي لم يبقى منه سوى طيف
باهت في ذاكرة توشك أن
تتلاشى أو تضيق بما حملت
عبر الزمن ، إنه الكتابة
على كل حال هي العاصم من
وطأة الظروف الصعبة ( III
، II ) وبهذا تكون مسارب
ضربا من البحث عن الزمن
الضائع والفوضى في أعماق
الذات الممتدة من الماضي
إلى الحاضر توقا إلى
استخلاص المعنى .
سؤال المعنى في مسارب
إن هذا الشكل الفني
الجامع الذي أختاره أمين
مازن لتدوين أهم أطوار
حياته إلى منتصف
السبعينات وأن اتخذ من
الذات محوراً له بحثا عن
تكونها وتنقيرا عن عناصر
الوحدة فيها ليس إلا
الاستجابة الجمالية
لرسالة حرص على تبليغها
ولبنية أولية لدلالة
كامنة فيه ، يريد أن
يخرجها من حيز الكمون إلى
حيز الظهور .
ولقد ذكر لنا أمين مازن
أن المناسبة التي دعته
إلى الكتابة هي الغارة
الأمريكية على ليبيا يوم
15/4/1986 وما أثارته في
أبنته من خوف أعاد إلى
ذهنه ما كان قد شعر به في
مثل سنها حين قذف الطيران
البريطاني مدينة هون خلال
الحرب العالمية الثانية .
إن الحاضر هاهنا يستفز
الماضي ويستنفره غير أن
الذاكرة تفيض عن الذكرى
البسيطة لتعود إلى مجمل
الحياة باحثة عن معناها
وعن دلالة مسيرتها
مسيرتها ، فهل التشابه
بين الحديثين على بعد
الشقة الزمنية بينهما
دليل على أن التاريخ يعيد
نفسه ؟
من هنا تأتي ضرورة
المنظور الاستعاري الذي
توفره السيرة الذاتية وقد
لابسته رؤية جدلية
للتاريخ تنكر السكونية
والدورية وتؤمن بالحركة
والتطور وولادة النقيض من
النقيض ، ولذلك كان مدار
الجزء الأول من مسارب على
فترة تمتد من أواخر
الاحتلال الإيطالي إلى
أواخر الخمسينات ومدار
الجزء الثاني على الفترة
المتراوحة بين أواخر
الخمسينات ونهاية
الستينات ، ومدار الجزء
الثالث على السنوات
الأولى من السبعينات .
إن هذه المفاصل وأن
استندت إلى معالم عامة
كبرى هي مرحلة الاستعمار
ومرحلة الملكية ومرحلة
الثورة تخضع لأطوار مرت
بها شخصية المؤلف من
مرحلة التعرف على البيئة
الضيقة وبداية التكوين
إلى مرحلة اتساع الآفاق
وترسم ملامح الحياة إلى
مرحلة الاسهام والعطاء .
ولا نملك ها هنا إلا أن
نستعين بما قاله جان
ستاردبينسكي عند تميزه
بين نوعين من السير
الذاتية : أولهما موسوم
بالترف وقوامه تصوير
التجربة الماضية ملفوفة
في أهاب السعادة وكأنهما
الفردوس المفقود وثانيهما
موسوم بالنضال وقوام
تصوير ماضي الشخصية وقد
تسربل بالصعاب والتحديات
، ورغم أن ما قدم زناد
الكتابة وبما أوحى بأن
المؤلف يلوذ بما فه من
حاضره فإن الحقيقة على
غير ذلك تماماً . إذ يفتح
المؤلف سفر حياته ليحلل
فصوله ويلم شعثه ويستخلص
مقومات الوحدة الكامنة
بين أجزائه مركز أعلى
الأحداث والمواقف التي
واجهته فيها التحديات ومن
أن تظل من عزمه .
بهذا يمكننا أن نقرأ "
مسارب " بوصفه سيرة ذاتية
لا يريد صاحبها أن يركن
بحثا عن الراحة والنعيم
وإنما هو يتوغل في
مضايفها مسائلا باحثا عن
المعنى الخفي الذي يشد
أجزاء المشهد . ولعل مركز
" استقطاب المعنى هو
التحول الذي أصاب الذات
من خلال جدل الإثبات
والمحو، فهي ذات لاتني
تتطور حتى أن مسيرتها
لتكاد تصبح ملحمة يقوم
فيها الجديد على أنقاض
القديم ، والفارق على
أنقاض المشاكل .
ولكن هذه الذات تنطوي على
بعد مرأوي فما هي إلا
الصورة المصغرة للأسرة
التي يتحكم فيها جدل
التماثل والتناثر ،
والمدينة التي تخضع لجدل
الثبات والتحول ، والوطن
الذي يحكمه جدل القيد
والانعتاق . والعالم الذي
يجسد جدل القطري والكوني
. وفي هذه المجالات كلها
يحرص أمين مازن على إبراز
التحول الذي أعترى سلم
القيم ، لا في ذاته هو
وحسب ، بل في مدينته
ووطنه وأمته والعالم الذي
يعيش فيه .
ولهذا السبب أختار أمين
مازن ضمير الغائب محورا
لسيرته الذاتية . وليس
هذا الاختيار تقليدا لطه
حسين ولاهو هروب من
المواجهة ، ولا هو دليل
على تنازع جوهري في "
مسارب " بين المشروع
السير ذاتي ومشروع
المذكرات . أننا نذهب إلى
أن ضمير الغائب كان
اختياراً إجمالياً أملته
رؤية أمين مازن لعلاقة
الفرد بالمجموعة وعلاقته
بالكون ، فهذا الضمير
يحقق لجنس السيرة الذاتية
انفتاحا حراً على أجناس
مختلفة ، وهو إلى ذلك
يضطلع بوظيفة رمزية
ثنائية فهو بمثابة الجزء
الذي يدل على الكل
والعالم الأصغر الذي
يختزل العالم الأكبر .
ولعل ما تختص به الكتابة
في مسارب أنها لا تنتهج
وجهة محددة مضبوطة سلفا
وإنما تتعرج بحسب مناطق
الحيرة والغموض التي تمر
عبرها ، فهي ليست صدى
ألياً للخارج بقدر ما هي
غوص في التجربة ومساءلة
لها وبحث عن المعنى في
عالم متحول ، ولعل هذا ما
يفسر لنا الخروج التجريبي
في هذا الكتاب وروح
التحدي الذي تسري فيه
وبهذا لا تكون الذات معقد
البطولة وإنما تتصور
الكتابة الموقف بوصفها
الحدث الفاعل على صيد
الإبداع وعلى صعيد الواقع
والعامل الأساس في توليد
المعنى وتوجيه الذهن في
عالم أضاع وجهته وفقد
لوصلته .
وما طرق المؤسس في مستوى
الجنس الأدبي إلا صدى
لرفض السائد في مستوى
الممارسة الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية
والايديلوجية والبحث عن
قيم بديلة في عالم متغير
. |