عـــلامــات

للتواصل و الرآي و الحوار

( يهتم بمتابعة انتاج و فكر المبدعين الليبيين)

التاسيس : أمين مازن

 

 

حول كتاب مسارب

 

قراءة في نص مسارب
جماليات النص السردي لا تعوض الإقصاء المنظم


مصطفى الهاشمي

 

السرد التاريخي والتأصيل الجهوي للمكان، والذات التي تفصح عن بعض من سيرتها، بقدر كبير من الحياد والتحفظ ، هي المحاور الثلاث التي أنطلق منها الأستاذ أمين مازن في كتابة( مسارب)(1) هادفاً فيما يبدو إلي إماطة اللثام عن تجربته الذاتية، وعلاقتها بالمكان باعتباره أحد المكونات الهامة لرسم شخصيته وهويته وبنائه الوجداني، وعلاقتها بالزمان باعتباره عينا راصدة لشواهد الماضي ومعالمه، في جدليه معمقة، ارتكزت على ثوابت ومتغيرات الأحداث، والحيز الجغرافي والديمغرافي المحدود لبلدته هون، تلك الرابضة وسط صحراء جرداء مخيفة ولا تستأنس إلا بشقيقتيها بلدتي ودان وسوكنة، اللتين تشكلان معها ثلاثياً حيوياً ظل حلقة وصل بين شمال البلاد وجنوبها، على مدى فترات تاريخية متعاقبة، وإن كانت بلدة هون هي الأكثر حضوراً في متغيرات الأحداث بالنظر إلي إستراتيجية موقعها الذي يتوسط البلدتين الآخرين من ناحية وما لها من رصيد نسبي من التراكم الإداري الاعتباري من ناحية أخرى .
 وفي حماة تشعبات النص تجلت قدرة المؤلف على تطويع اللغة، وإخضاع المستعصي من تعابيرها فضلاً عن رشاقة الأسلوب، ونحت المفردات التي تتسق مع تداعيات المواقف المختلفة في خطاب يمزج فيه بين الأسلوب الروائي والحس التاريخي الرفيع، مما أضفي على البناء النصي قواماً متماسكاً يليق بمقدرة المؤلف ومكانته المرموقة بين صفوف أدبائنا الليبيين والعرب على حد سواء إن مسارب (وهو عنوان الكتاب) في صيغة الجمع و مفردها مسرب، عنوان تتوفر فيه كافة الشروط التي تتناغم وتعبر عن أبعاد النص لما تنطوي عليه هذه الكلمة من مداول لغوي ، موغل في الخصوصية ، والنزوع نحو الذات ، لان المسرب ليس طريقاً أو درباً أو نهجاً يسلكه الجميع ويدرك منعطفاته الخاص والعام بل هو مسلك تحسسي ذو علاقة بالخصوصية الفردية، لذا فإن المؤلف كان دقيقاً في اختياره لهذا العنوان وإن كان قد بالغ في تحديد المداول الحرفي للكلمة، حيث أعتبرها رخصة سارية المفعول لتمرير الوقائع والأحداث المهمة بغموض متعمد .
ومن ثم فإنه لم يستطع في نصه تجاوز تخوم البعد الإيحائي ولم يشأ البوح والإفصاح بالحضور الشخصي فآثر التعبير بضمير الغائب ، متبعاً خطاً تحفيظياً متطرفاً في تناوله وفهمه لكتابة التجربة الذاتية وفق تقاليد عربية ثيوقراطية قديمة تابعة من قناعة نابعة من قناعة مفادها، أن كتابة السيرة الذاتية لا ينبغي لها أن تكون أداة يسلم عن طريقا الكاتب نفسه من المرة الأولى بوضوح كامل إلى القارئ لما قد يترتب على بوحه وشفافيته من رفض واستنكار أو اهتزاز لصورته، إن مثل هذه التقاليد لم يعد لها مكان في الحركة الأدبية الحديثة، لأنها تصور مثالي يشكل تحريفاً متعمداً لا يتجزأ من تاريخ الوطن السياسي والثقافي والاجتماعي ، والكاتب صاحب التجربة هو الذي يرسي قواعد التواصل الإنساني ، الذي يلغي كل الحدود والحواجز ، التي تفرض الإقصاء المتعمد لكثير من الوقائع والأحداث المهمة.
وفي كتاب مسارب الجزء الأول، لا يحس القارئ بأية رغبة للمؤلف في التمرد على الطمس والإقصاء، بل أن معظم تشعبات النص قد مرت بمصفاة ضيفة الثقوب ، فهو لم يبرز بالقدر الكافي روح الأحداث والمواقف التي صنعها الآخرون، وعايش هو شخصيا جزءاً منها عبر مساحة زمنية ، تكفل له الاستقراء الصحيح، وتحديد العلاقة بين الجزء والكل والخاص والعام، بوصفه ينشر على الملأ ، محصلة تجربته الذاتية ، التي هي جزء صغير من تجربة شعبه ووطنه وأمته.
ولما كان الكاتب أمين مازن قد وضع حائطاً ضخماً بينه وبين القارئ فإنه بذلك قد نحى منحى السردية الإخفائية التي طالت حتى التواريخ الرقمية للوقائع والأحداث المختلفة التي برع في تحليلها وقراءاتها بمهارة وفق منهجه الخاص، بل أنه اكتفى بالتقدير العشوائي لصيرورتها، كمثال على هذه السردية الموغلة في التعميم فإنه حينما يتحدث عن الطريقة الصوفية العروسية، في الفصل الأول من الكتاب صفحة (44) يقول (أن تاريخ الطريقة العروسية قديم قدم التاريخ ومشيختها تتوارث منذ مئات السنين)، أن هذا التحديد الزمني لتأسيس الطريقة العروسية بالبلدة ليس دقيقاً ، كما أنه لا يتفق مع المصادر التاريخية.
إذ أن هذه الطريقة التي نشرها السيد عبد السلام الأسمر لم تنتشر في وسط وجنوب البلاد الليبية إلا في أواخر القرن الثامن عشر عن طريق بعض المريدين الذين وفدوا إلى المنطقة من شمال البلاد لظروف مختلفة ، ثم يشير بإسهاب إلى اختلاف الطريقة في البلدة وتميزها عن سواها في الشمال من حيث نبذ طرح بعض البراهين المتمثلة في لعق الحديد الملتهب وضرب السكاكين في الأمعاء وغير ذلك من مظاهر الشعوذة التي تمارس في زوايا الشمال ويرجع المؤلف هذا الاختلاف والتميز إلى الوعي الديني الذي انتشر في البلدة وما جاورها لكنه لم يذكر مصدر هذا الوعي والمرجعية الدينية أو الثقافية التي كانت وراء هذا التنوير المبكر، وكان لها أيضاً تأثيرها في البنية الاجتماعية والثقافية سلباً أم إيجاباً ولعل إقصاء هذا الجانب يرجع إلى قناعة المؤلف بضرورة إتباع مبدأ ما يراه استئصالا للرواسب التاريخية من وجهة نظره.
إن هذا الانتهاك الفض للحائق التاريخية لا يتفق البتة مع رسالة التجربة الذاتية التي من المفترض أن يكون صاحبها شاهداً على العصر واضعاً في اعتباره الأهمية القصوى لتجربته التي هي مرجع وقدوة وحصاد لأجيال قادمة.
لقد زخر النص بحشد من الأحداث دون أن يضع لها المؤلف إطاراً تاريخياً محدداً وراهن بصورة كلية على خلفية القارئ ، وأوكل إليه مهمة التخمين ، والتقدير الزمني للأحداث المختلفة في النص بداية من تاريخ ميلاده هو شخصياً ، إلى مجمل ما ورد في الفصل العاشر.
 وكان يمكن أن يحدد التعيين الزماني لكي يكون أساساً لتلاحق الأحداث وازدحامها لكي تكتمل الصورة وتتضح أبعادها للقارئ لكنه لم يفعل ذلك واكتفى فقط بتقاطع المراحل والوقائع.
وفي النص حشد كبير من الشخصيات المختلفة، ذات المواقف المتعددة والمتناقضة وهي تنقسم إلى مجموعتين رجال ونساء وفي كل مجموعة فئة من الكبار وأخرى من الصغار وشكلوا جميعاً محاوراً لأحداث مختلفة على الصعد الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية وقد حشروا جميعاً في دائرة ضيقة رسم الكاتب لها خطاً بيانياً لا يمكن تجاوزه فهم أسماء بلا ألقاب وألقاب بلا أسماء يتضح للقارئ تشابهها وتكرارها مع اختلاف مواقعها في دوائر الفعل والكينونة الاعتبارية واختلاف مكانها وزمانها.
ولن أتوقف كثيراً أمام هذه الربكة السردية التي تربك المتلقي وتجعله يتساءل إذا كان هذا النص تسجيلاً لسير الآخرين وتجاربهم ؟ أم هو تسجيل لسيرة الكاتب شخصياً وتجربته الذاتية ؟ مكتفياً بالإشارة إلى أن هذه المتاهات العفوية قد شكلت عناصر التفكك للنص كما رسخت الإحساس والشعور بأن المؤلف كان يكتب من أجل المراكمة فقط.
إلى تفريغ الحدث من مضمونه ويكتفي بوسيلة الإيحاء والإشارات، وتحويل الذوات الفاعلة إلى أسماء مجردة ونكرة في أحيان أخرى.
لقد افترض المؤلف أن النص الأول من كتاب مسارب وكذا يعتقد القارئ أيضاً بأنه وضع لكل ذي علاقة أو ذكريات مشتركة معه لما اشتمل عليه من خصوصية وتضمينات لا يفقهها إلا من كان أصيل البلدة وذلك ما يخالف ويتعارض مع أصول كتابة السيرة الذاتية التي من أهم شروطها الاسم الدال والتاريخ المحدد والحدث الماضي ، حيث ينبغي أن تكون معززة بنزاهة الكاتب وجرأته التي تسمح له بإبداء قدر ولو يسير من الإفصاح عن خلجاته العاطفية والوجدانية التي تم التعتيم عليها بشكل فيه قدر كبير من عدم الواقعية وتنزيه الذات (افتعالا) على جوانب رآها الكاتب تهز صورته وسيرته أمام الرأي العام الذي تصوره على هيئة مجتمع مغلق أو عشيرة صغيرة تقيس سيرته بمقاييسها الخاصة ومعاييرها التقليدية ، لكن النص يظل نقطة مضيئة وحدثاً هاما وتجربة مفيدة على صعيد بداية التراكم لهذا الجنس الأدبي الجديد في بلادنا .

   

 

 

 

 

عودة للصفحة الرئيسية