|
مسارب ذاكرة أمين مازن
عن خارطة الوطن
منصور أبوشناف
استطاع الأستاذ أمين مازن
في كتابه "مسارب" أن يقدم
لوحة جد متنوعة للحياة
الاجتماعية والثقافية
والروحية في الثلث الثاني
من هذا القرن – في مدينته
الصغيرة هون بالجماهيرية
العظمى – ناهيك عن الحياة
السياسية التي حفل بها
كثيرا ومنحها فضاء واسعا
من كتابه عبر صور
بانورامية لعديد من
الشخصيات التي عرفها عن
قرب أو كان لها كبير
الأثر في نفسه أو كانت
لها بصمة في الحياة
الاجتماعية أو الثقافية
أو السياسية.
ولأنه امتلك ذاكرة حديدية
فقد أفاض في الحديث بشكل
يثير الإعجاب فلم يترك
جزئية صغيرة أو كبيرة
لحوادث وقضايا مؤثرة إلا
وجاء على ذكرها ! ولم
يكتف بهذا بل أشبعها
تحليلا واستفضاء بصبر
ودأب يحسد عليه. هذا
السرد الدقيق قد يجدد
نشاط ذاكرة الكثيرين
ويحرك عواطفهم ويهز
مشاعرهم ويملاهم بالحبور
لمواقف إنسانية وقومية
اتخذها هذا أو ذاك من
الشخصيات الواردة في
الكتاب.
إنها رحلة الزمان والمكان
وان كان المكان يبدو
محدودا حدود تطلعات
الإنسان في ذلك الزمان.
وقد يعترينا العجب إذا
علمنا أن هون مدينته
الصغيرة داخل الصحراء
كانت منقطعة عن أي تماس
حضاري وتعيش عزلة مفروضة
عليها بحكم الموقع لا
تختلف في سلوكها
الاجتماعي وارثها الثقافي
ووعيها السياسي عن الحضر
أو حواضر البلاد ألا في
جزيئات صغيرة وهوامش لا
تقدم كثيرا ولا تؤخر
فالواقع الحياتي في جميع
جوانب يتشابه تشابها يكاد
يكون كليا. فهذا الشعب قد
حوصر مئات السنين وفرض
علية الجهل والتخلف فرضا
! سواء من الاستعمار
التركي أو الايطالي هذا
التجهيل الجباري قد وحد
بين حواضر البلاد
وبواديها فكرا وسلوكا
ورؤية. الحياة الروحية
والثقافية لمتساكنى هذه
المدينة الصغيرة كل منها
يلقي بظله على الأخر
تأثرا وتأثيرا سلبا
وإيجابا أخذا وعطاء في
حوار مستمر حكمته الظروف
وأملته المواقف فالحياة
الروحية نتاج للحياة
الثقافية فبقدر سمو
الثقافة ورقيها بقدر ما
تتماسك أواصر الدين وتقوى
والعكس صحيح فتراجع
الحياة الثقافية
وانحسارها يلف الحياة
الروحية الضباب وتكتسحها
أفكار تفسد مسارها
الصحيح. وعلى الرغم ديني
في أغلبة إلا انه لا يعدو
حفظ القران الكريم ولا
يزيد قليلا عند البعض
ليشمل إتقان الكتابة
وتجويدها وهو ما أدى إلى
سيطرة القضايا الجانبية
واشتداد الحوار حولها يصل
إلى القطيعة. كما إن
القضاء لضعفاء قد خضع
لمجموعة من الأعيان
استكان لرأيهم ورضي
بحكمهم من دون تمحيص أو
دراسة واقعية بالرغم من
أنها ذات تأثير بالغ في
الحياة الاجتماعية وفي
مصائر بعض الناس ممن
شملهم بأحكامه المبينة
على هوى في النفس ! او
على الأقل غير وافية
بمنطق القانون والعقل.
فدم لنا الكاتب معلومة
مفادها إن الطريقة
العروسية او الاسمرية
للشيخ عبد السلام الأسمر
دفين زليتن هي إحدى فروع
الشاذلية وأضاف " كما جاء
في سلسلة الشيخ التي تحفظ
هنا عن ظهر قلب من قبل
الكثيرين فهي تتلى كل
مسائي الأحد والخميس
المشاغل المعيشية والوعي
إن السارد وعبر رحلة
الجزء الثانى يؤكد على
الاحساس بمشاغل الناس
لبمعيشية والسياسية وتطور
هذه المشاغل مصحوبة بتطور
الوعى الثقافى والسياسي
لجيل تلك المرحلة من
المثقفين والسياسيين
والنقابيين مصحوبا بالمثل
بتطور أدوات التعبير عن
هذا الوقاع الجديد ،
فالصحافة الوطنية
والاذاعة والنقابات وكذلك
الشركات المساهمة كشكل
اقتصادى جديد ، كلها
أشكال وأدوات تطوير لهذا
الواقع الذى يستبدل
أشكاله الاجتماعية
والاقتصادية القديمة
بأخرى جديدة قادرة على
مجاراة العصر . عبر هذه
الادوات الجديدة تتمكن
الذات الساردة من إدراك
وجودها ومعناه ، وكذا من
فهمها لمعنى الكيان ، على
ضوء هكذا وعى وفى هكذا
وعى ورغم بساطة هذا
الواقع فإنه ورغم طابع
المحافظة المسيطر عليها
يتيح لإبنائه إمكانيات
المعرفة حتى تلك المختلفة
عنه والمتعارضة مع قيمه
المحافظة فالفكر
الاشتراكى والتوجه القومى
باشكاله ومفاهيمه
المتعددة والمتنوعة مطروح
كانماط تفكير وكتوجهات
اجتماعية يفرضها الواقع
كبدائل له ، لكان الواقع
الاجتماعى عبر سرد "
مسارب " وهو سرد وكما
اسلفت سرد غير برئ وواع
بشدة لاَلياته وتقنياته
لكأنه يفرز حثيثاُ بدائله
الافضل وينحاز لها.
ان التاريخ الخاص والعام
عبر " المسارب " لعبة
الواقع الواعية والسلسة
من أجل المستقبل – وذلك
الواقع متحولا – (ليس فى
المدينة مايفرض التمسك
على النحو الذى يضحى من
أجله بالاعتبارات
الاسرية) تمثل هذه الجملة
تعبيراً عن التردد الذةة
يفرضه الواقع الاجتماعى
عندها على الانسان ذلك
الجيل . فالمدينة
بمؤسساتها الجديدة الطرية
العود كان لايزال من
الصعب الرهان عليها
والانتماء الكامل لها ،
وقطع الصلة بالمجتمع
القديم ، فلازال ذلك
المجتمع بقيمه وابنيته
الاقتصادية والاجتماعية
وانتماءاته أكثر فاعلية
من المجتمع المدنى الحديث
، ولكن الشخصية المحورية
لمسارب تدرك ان المستقبل
هو المنتصر فى النهاية ،
ولذا تراهن عليه وتنتمى
لقيمه وتعمل على تسويدها
، إن استعمال ضمير الغائب
بدل المتكلم عبر سرد "
مسارب " يعبر بشكل ربما
لاواع عن هذا المستقبل
الذى كان لايزال غائب،
دون ان ننسى عوامل
التكوين الاجتماعى
والثقافى للشخصية وكل
مجاييلها . كما أشار الى
ذلك الاستاذ محمد الفقيه
صالح فى مقدمته لكتاب .
سرد سلس وروائى
يتدفق السرد فى " مسارب "
بسلاسة ويقترب فى غالبه
من السرد الروائى فى خلق
اجواء روائية تتبع
الشخصيات وتطورها ، وهكذا
فى تتبع الاحداث ونموها
بطريقة تستهدف الشد
والتأتير فى القارئ. أن "
مسارب " تقترب من تقنيات
الرواية التسجيلية
بأستهدافها لرصد تطور
شخصيات واقعية وحقيقية فى
فترة زمنية محددة وكذلك
برصدها لتطور المكان فى
زمن تاريخى محدد.
ان هروب " مسارب " من
تحديد الشخصيات بالاسماء
والملامح الجسدية المميزة
جعلها تبتعد عن تقنية
المدكرات الشخصية وجعلها
عملا اقرب الى انتاج
المخيلة الروائية . فهى
بالنسبة للقارئ الذى
لايعرف الامكنة والشخصيات
عملا روائياً انتجته
المخيلة موازيا للواقع
وشخصياته اذ ذاك .
ويبعدها التكتم الشديد
على الخاص جدا كالعلاقة
بالمرأة عن المخيال
الروائى ، لان الكاتب
يميل الى كتابة المذكرات
الشخصية ليلعب التكوين
الاجتماعى والثقافى الدور
فى التهرب من هكذا
خصوصيات.
تظل " المسارب " عملا
يكتسب اهميته من ذلك
التدفق المذهل للتفاصيل .
تلك المهمة للغاية
بالنسبة للاجيال ، سواء
التى عاصرت هكذا أحداث أو
التى لم تعاصرها، انها
تمثل بحق جسراً مهما بين
الاجيال يقدم تجربة جيل
هو فى الحقيقة جسر يمتد
بين مرحلتين خطيرتين من
التاريخ الوطنى، مرحلة
ماقبل الحرب والاحتلال ،
ومرحلة مابعد الاستقلال
بكل طموحاتها ، وكذلك بكل
إحباطاتها وبكل نماذجها
البشرية المترددة
والمندفعة ، والتى تحن
الى ماض رغم مايحمل هذا
الماض من تخلف.
إن " مسارب " وثيقة عن
تشكل الكيان دونما بحث فى
معنى ذلك الكيان ، إنها
تجربة مهمة فى تطور
المكان والعلاقة هذا
التطور واثره على شخصيات
هذا المكان (نار اى بقعة
من هذا الكيان تنضج خبزاُ
وشخصيات). |